الشيخ محمد رشيد رضا
36
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيما انفردنا بفهمه من أن هذه الآيات بيان لسنن اللّه تعالى في الاجتماع البشري - وقوله تعالى في رهط قوم صالح المفسدين ، وهو ما أشار اليه هنا من سنة الأولين ( 27 : 52 وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 53 فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) فالذين كانوا يمكرون السيئات لمقاومة اصلاح الرسل حرصا على رياستهم وفسقهم وفسادهم ، لم يكونوا يشعرون بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم لجهلهم بسنن اللّه تعالى في خلقه وهم جديرون بهذا الجهل ، وأما أكابر المجرمين في هذا العصر فهم لا يعذرون بالجهل بعد هذا الارشاد ، ولكن هؤلاء قلما يقاومون بمكرهم اصلاحا يرضى اللّه تعالى كاصلاح الرسل وورثتهم لأنه لا يكاد يوجد فيقاوموه ، ومن هذا القليل مكر أكابر الاتحاديين العثمانيين ، لإزالة ما كان في الدولة من بقايا الشرع وفي الأمة من بقايا الدين وسوء عاقبتهم دليل على ذلك وهو حجة على المتعصبين لهم ، وعلى المشتبهين في أمرهم « 1 » وانما يمكر أكثر زعماء الأمم اليوم بأمثالهم من المعارضين لهم من أمتهم في الأمور الداخلية ومن خصومها في السياسة الخارجية والمطامع الأجنبية ، فمكرهم في الغالب باطل يصادم باطلا ، وان كان بعضه يسمى حقا عرفيا أو سياسيا ، فان وجد في بعض هذا الصدام حق صحيح ووجد من يؤيده وينصره ، فلا بد أن تكون العاقبة له ، وتحقيق معنى الحق والباطل دقيق جدا ، وقد حررنا فيه مقالا خاصا عنوانه ( الحق والباطل والقوة ) بينا فيه حقيقته وأنواعه - كالحق في الفلسفة والنظريات العقلية ، والحق في الوجود وسنن الكون والحق في السنن الاجتماعية ، والحق في القوانين والمواضعات العرفية ، والحق في الدين والشريعة الإلهية . وبينا بالدليل الواضح أن الحق الصحيح يغلب الباطل في كل شيء ، ومعنى وعد اللّه بنصر المؤمنين وصدقه بشرطه ، وحال المسلمين في هذا العصر مع الأمم الغالبة لهم . وقد نشرنا هذا المقال في المجلد ( ص 52 م 9 منار * * * ( 123 ) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ
--> ( 1 ) وأما خلفهم الذين جاهروا بابطال الاسلام بالقوة كسائر الذين ارتدوا عن دين الرسل من قبلهم فهم قد خرجوا من عداد الماكرين وانما يخذلون بقيام بدعوة اصلاح خير مما هم عليه كدين الأمة ودنياها معا فتكون هي الأصلح والأمثل